السبت 10 يناير 2026 الساعة 12:55 ص

مقالات وآراء

خمسٌ من نوادر اللغة العربية 

حجم الخط
عبد السلام فايز

كثيرون هم أولئك الذين يتساءلون مِراراً عن سبب بعض الضوابط اللغوية في لغة الضاد ، لا سيّما أنها لغة القرآن الكريم ، و كذلك هي من اللغات الفريدة في العالم و التي تتميز بتغيّر حركة آخر الأسماء فيها حسب موقعها في الجملة ، و هذا ما لايحدث في جُلّ لغات العالم ..

فتجد عُشّاقَ العربية يسألون خبراء النحو و الصرف عن سبب رفع الفاعل مثلاً ، أو نصب المفعول به ، و لماذا لا يكون العكس على سبيل المثال ، و من أين اكتسب المضاف إليه حالة الجر .. و هكذا ..

و ربما يكون سؤالهم هذا هو من قبيل النادرة و النكتة لا أكثر ، و ربما يكون جدّيّاً ، و في الحالتين يمكن القول أنّ الإجابة على مثل هذه التساؤلات متوفرة في أروقة العربية ، و هي تُرضي كلا الطرفين ، سواء الطرف المُمازح أم الطرف الجاد ، كيف لا و هي اللغة التي تحدى بها الله العالم أجمع ، بل و طلب منهم الإتيان و لو بآية واحدة فقط تماثل ما جاء في الكتاب المقدّس .. 

و إليكم سيّداتي و سادتي بعض المصادفات العجيبة بين ما فرضته اللغة العربية مِن رفعٍ و نصبٍ و جر ، و علاقة هذا الأمر مع جملة العادات و التقاليد في مجتمعاتنا العربية الناطقة بهذه اللغة .. 

أولاً : لماذا يكون الفاعل مرفوعاً ؟!! 

إنّ أي إنسان في المجتمع تُوكَل إليه مهمّةٌ ما ، و يقوم بفعلها و إنجازها ، فهو يصبح عالي المقام في نظر أنصاره ، سواء كانت هذه المهمة صالحة أم فاسدة ، و بالتالي فهو (مرفوع)  المقام ، فالعمل الصالح يرفع من قيمة صاحبه ، و كذلك الأمر ذاته ينطبق على النقيض تماماً ، فالعمل السيّء يرفع من مقام صاحبه لدى دعاة الشر ، و الدليل على ذلك ما ورد على لسان إخوة سيدنا يوسف عندما تآمروا على قتله ، فقالوا فيما بينهم :"اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخلُ لكم وجه أبيكم و تكونوا من بعده قوماً صالحين" ، و هنا نلمس أنّ الصلاح في نظر أصحاب الشر هو عمل صالح يرفع من قدر صاحبه ، و من هنا يكون الفاعل في حالتَي الخير و الشر مرفوع المقام ، و بالتالي لِزَاماً على لغة الضاد أن ترفع الفاعل ، طالما أنه مرفوع المقام لأنه أنجز المهمة بنجاح ..

ثانياً : لماذا يكون المضارع مجزوماً إذا سُبِق بحرف جزم ، إما بالسكون أو حذف النون ، أو حذف حرف العلة ؟؟ 

في المنطق العربي كل إنسان أو جهة أو دولة تتخذ قراراً سيادياً بعيداً عن التبعيّة لأحد ، تكون ذات رفعةٍ و قدرٍ مرفوع بين الناس ، أمّا إذا اتخذت قرارها بناءً على مصالح أسيادها فإنها لا تستطيع أن تحرّك ساكناً بوجود الأسياد ، و بالتالي تخسر رفعتها و قيمتها و هيبتها بين العالمين .

و هذا هو حال الفعل المضارع ، عندما يأتي في الجملة دون تبعيّة لأي حرف ، فهو مرفوع المقام ، سيّد الجملة ، ذو قرار سيادي محترم ، فنقول على سبيل المثال : يقدّمُ الطالبُ الامتحان ، فالمضارع جاء مرفوعاً بناءً على سيادته و عدم تبعيّته لأحد .

أمّا عند دخول جيش الجزم و الحزم إلى حرمِ دولة الفعل المضارع ، فهو يخسر قيمته التي رفعته و يلتزم الصمت احتراماً لوجود أسياده في الجملة ، بل لا يحرك ساكناً قط ، فنقول على سبيل المثال : لم يعملْ ، لا تفعلْ ، فسكون المضارع هنا جاء بناءً عل اقتحام حرف الجزم للجملة ..

حتى لو حاول المضارع الاستعانة بأنصاره لمواجهة آلة الجزم و الحزم  ، فإنه لا يستطيع على الإطلاق لأنّ محارمه قد انتُهِكَت ، فَنُون الأفعال الخمسة التي كانت حاضرة في حالة الرفع و السيادة ، تهرب إذا ما لاحقتها أجهزة الجزم القمعية ، لأنها على لا تقوى على مواجهتها ، فنقول على سبيل المثال : (يعملون) قبل دخول حرف الجزم / (لم يعملوا ) بعد دخول الجزم و فرار النون ، تدرسين / لا تدرسي ..

 

و كذلك هو الحال مع حرف العلة المسكين ذي المرض و الأوجاع و العلل ، الذي لا يقوى على مواجهة الجزم و الحزم ، فسرعان ما يهرب من ميدان المواجهة ، تاركاً خلفه سلاحه الفردي الخفيف ( الفتحة أو الضمة أو الكسرة ) الذي يشير إلى استسلامه و هزيمته ، فنقول : يرى ، و بعد دخول الجزم : لم يرَ ، و هنا نلاحظ فرار حرف العلة تاركاً خلفه ما يدل على فراره و هو الفتحة ..  

ثالثاً: لماذا يكون المبتدأ معرفة و ليس نكرة في الجملة الاسمية ، باستثناء بعض الحالات الشاذة ؟!!

في الجملة الاسمية ركنان أساسيان ، المبتدأ و هو اسم معرفة ، و الخبر و هو نكرة ، و عادةً ما يكون الخبر بمثابة حُكمٍ على المبتدأ ، على سبيل المثال : "الرجال قوّامون على النساء" حُكم شرعي / "الحج أشهرٌ معلومات" ، حكم شرعي أيضاً / المطلقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء ، حكم شرعي أيضاً .. 

و خارج نطاق الشرع ، تجد أنّ الحُكم ينطبق على المبتدأ من خلال الخبر ، فحُكم الرسوب واقع على الطالب عندما نقول : الطالبُ راسبٌ في الامتحان ، و حُكمُ الفصاحة واقعٌ على الشاعر عندما نقول : الشاعرُ فصيحٌ في قصيدته .. 

و السؤال المطروح الآن : هل يستطيع المرء إطلاق الأحكام في المجتمع على شيء نكرة لا يعرفه من قبل ؟! و هل القاضي يتمكن من إصدار حُكمه على القضية مالم تكن القضية معروفة بالنسبة إليه من كافة النواحي ؟! و هل تُقبَل شهادة الشهود في العُرف مالم يكونوا على معرفة تامة بالشخص المقصود ، بحيث يكون هذا الشخص معروفاً تماماً بالنسبة لهم ؟! 

و من هنا جاءت إلزامية تعريف المبتدأ من أجل أن نستطيع إصدار الأحكام عليه ، و إلّا ما استقامت اللغة العربية إذا بُنِيَت على حُكمٍ باطل .. 

 

رابعاً : لماذا تنصب الأفعال المشبهة بالفعل المبتدأ حين دخولها على الجملة الاسمية ، بينما تنصب الأفعال الناقصة الخبر ؟ 

عندما كنا طلاباً صغاراً كان أساتذتنا الكرام يشرحون لنا درس الأفعال الناقصة و الأحرف المشبهة بالفعل ، على أنّهما ضيفان عزيزان على الجملة الاسمية ، أمّا أحدهما فيتزيّن المبتدأ بثيابٍ جديدة لدى استقباله ، في حين يتزيّن الخبر لدى استقبال الآخر ، و بهذه الطريقة قفزت المعلومة إلى أذهاننا و استقرت حتى اليوم ..

و السؤال المطروح : لماذا تنصب الأحرف المشبهة بالفعل المبتدأ ، في حين تنصب الأفعال الناقصة الخبر ؟ 

لدينا في المثل الشعبي ما يقول : الطيور على أشكالها تقع ، و لأن الأفعال الناقصة هي (ناقصة)  في مسمّاها ، فمن الطبيعة بمكان ، أن يخرج لاستقبالها الخبر النكرة الذي هو في مستواها ، بينما يتجاهلها المبتدأ و كأنها لم تأتِ نهائياً ، لأنّ مكانتها منقوصة تعادل مكانة الخبر النكرة الذي لا يعرفه أحد ، في حين تأخذ الأحرف المشبهة بالفعل مكانةً مرموقة بعد تشبّهها بالفعل الذي هو ركن أساسي من أركان الكلم ، فالحرف القليل منها هو بمثابة فعل كامل ، و بالتالي يخرج لاستقبالها المبتدأ المعرفة ذو المكانة العالية في المجتمع ، و الذي استحوذ على صدر الجملة الاسمية دون الخبر النكرة .. 

و لعل هذا يدخل ضمن بروتوكولات الاستقبال الرسمي لدى غالبية الدول ، فإذا كان الضيف رئيساً مُهَاباً يخرج لاستقباله رئيس الدولة المُضيفة بنفسه  ، و إذا كان الضيف دون ذلك ، فربما يخرج لاستقباله معاون نائب رئيس البلدية أو مساعد أول في الجيش .. 

 

خامساً : لماذا تعتبر القاعدة أنّ الجمل بعد النكرات صفات و بعد المعارف أحوال ؟؟ 

المتعارف عليه أنّ الجملة الفعلية أو الاسمية العائدة إلى اسم نكرة قبلها هي صفة ، و أمّا العائدة إلى اسم معرفة قبلها فهي في محل نصب حال ، و لكنْ لماذا ؟ لماذا لا يكون العكس على سبيل المثال ؟؟ 

من المعروف في مجتمعاتنا أنك إذا صادفتَ شخصاً تعرفه و بينكما معرفة مُسبقة أن تسأله عن حاله ، فتقول له : كيف الحال ؟ لأنك تعرفه و هو بالنسبة لك ( معرفة) ، أما إذا كان هذا الشخص لا تعرفه ، كشخصٍ يجلس بجوارك في القطار ، فليس من المنطق أن تسأله عن حاله قبل أن تعرف من هو و ما صفته ؟ فإذا تشكلت المعرفة بينكما فيصبح بمقدورك أن تسأله عن الحال ، ففي حالة النكران و عدم المعرفة تسأله عن صفته ، و بعد المعرفة تسأله عن الحال ، أضف إلى ذلك أنه إذا خاطبك بطريقة استفزازية و تريد أن تحط من مكانته و تجعله نكرة ، فإنك تقول له : إنت بأي صفة عم تحكي معي هيك ؟ أو بصفتك شو عم تحكي معي هيك ، لأنه نكرة بالنسبة لك ، و لم تقل له : انت بأي حال عم تحكي معي هيك .. إذن لاحظ كيف أنك استخدمت بشكل عفوي كلمة صفة لنكرانه ، بينما تحفّظت على استخدام كلمة الحال الا إذا كان معروفاً بالنسبة لك ..

و هكذا ندرك عفوية اللغة العربية ربما ، و التي انتقلت من أفواه العامة الذين يتعاملون معها بسهولة ، إلى دواة النحويين و علماء اللغة الذين أسّسوا لهذا علماً عرمرماً ، مليئاً بالقواعد المستقاة من جزيرة العرب ، و حتى لو كان هذا التجانس هو من باب الصدفة ، فإنه يُضاف إلى روائع اللغة العربية التي جمعت بين الجد و الطرفة ، كي تُمتِع الجميع بجِدّها و نادرتِها ..